بقلم: د. رادا الجوهري
ماذا بقي من بليغ حمدي بعد كل هذه السنوات؟
ربما يكون السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه يقودنا إلى إجابة أكثر اتساعًا من أن تُختصر في أغنية أو لحن أو مجموعة من الأعمال الخالدة. فبليغ حمدي لم يكن مجرد ملحن ترك وراءه رصيدًا ضخمًا من الألحان، وإنما كان حالة فنية وإنسانية متفردة، يصعب اختصارها في مرحلة أو صوت أو تجربة.
"سلطان الألحان".. لقب يبدو وكأنه يقول كل شيء عن العبقري الفذ، بينما هو في الحقيقة لا يقول إلا بعض الحكاية.
كان بليغ صاحب موهبة تعرف كيف تصل إلى القلب من أقصر الطرق؛ يلتقط الكلمة، ويمنحها روحًا أخرى، ثم يتركها تمضي بين الناس حتى تصبح جزءًا من ذاكرتهم.
ومن أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة ونجاة وشادية، إلى محمد رشدي ومحمد العزبي وعفاف راضي وعلي الحجار وغيرهم من الأصوات التي اختلفت ألوانها ومساحاتها وأجيالها، تنقل بليغ بينها بقدرة نادرة على أن يمنح كل صوت ما يشبهه، من دون أن يفقد هو ملامحه.
فبقيت بصمته حاضرة، حتى إنك قد تعرف أحيانًا أن اللحن لبليغ منذ نغماته الأولى.
أيمن الحكيم.. شغف السيرة وأمانة الحكاية
وراء هذا الإبداع كله، كان هناك بليغ آخر؛ الإنسان بما حمله من شغف وحكايات وعلاقات ومواقف، وبحياة بدت أحيانًا أكثر ازدحامًا من أن تحتويها سيرة واحدة.
إلى هذا العالم اقترب الكاتب الصحفي أيمن الحكيم أكثر من مرة، وكأن الكتابة عن بليغ لا يمكن أن تنتهي عند كتاب واحد. فبعد إصدارات تناول فيها سيرته، من بينها "موال الشجن"، عاد إليه من جديد في كتابه «سلطان الألحان».
كان دافعه الأول إحساسه بأن رجلًا بهذا الثراء الفني والإنساني لا تكفيه سيرة واحدة، وربما يحتاج إلى موسوعات حتى تُروى حكايته من زواياها المختلفة.
فبليغ حمدي لم يترك وراءه مجرد ألحان ناجحة، وإنما إرثًا موسيقيًا هائلًا امتد عبر أصوات وأجيال وذاكرة كاملة من الغناء العربي؛ إرثًا يجعل الكتابة عنه أشبه بمحاولة لاستعادة ملامح زمن فني كامل، والاقتراب من موهبة من ذلك النوع النادر الذي يصعب أن يجود الزمان بمثله.
لم تكن كتابتي عن بليغ لمجرد أن هذه الأيام توافق ذكرى رحيله في 13 سبتمبر 1993، بل لأن بليغ من هؤلاء الذين لا يحتاجون إلى مناسبة كي نعود إليهم.
ففنه هو الذي يستدعي حضوره، وألحانه هي التي ترفض أن يصبح صاحبها مجرد اسم في ذاكرة الماضي.
نعود إليه لأننا، كلما ابتعد الزمن، اكتشفنا أن في تجربته ما يستحق أن يُقرأ من جديد، وأن وراء الموسيقى التي نحفظها رجلًا ما زلنا لا نعرف عنه كل شيء.
موهبة لا يطويها الزمن
ربما لهذا أيضًا لا تبدو ألحان بليغ وليدة عصر مضى؛ فما زال فيها ذلك السر الذي يجعلها نابضة بالحياة مهما تعاقبت الأزمنة.
وكأن الزمن يمر من حولها من دون أن ينتزع منها قدرتها على الإدهاش.
كلما ابتعدنا عنه سنوات، ازددنا إدراكًا لقيمة ما تركه، ولصعوبة أن تتكرر موهبة امتلكت كل هذا التنوع والثراء.
أما أنا، فقد أحببت بليغ وفنه منذ البداية، لكن هذا الحب ازداد شغفًا بعد قراءة ما كتبه عنه الأستاذ أيمن الحكيم؛ إذ لم أجد أمامي مجرد حكايات عن موسيقار كبير، بل محاولة جادة للاقتراب من سيرته بأمانة ودقة، وبوعي بحساسية الكتابة عن فنان كان يومًا ملء السمع والبصر، وما زال حاضرًا بفنه حتى اليوم.
وهنا يصبح السؤال عن كتابة السيرة أكثر إلحاحًا: كيف يقترب الكاتب من حياة شخصية بهذا الحجم دون أن تسرقه الحكايات من الحقيقة؟ وكيف يحافظ على الأمانة دون أن يفقد السرد روحه، وعلى الدقة دون أن يحوّل الإنسان إلى مجرد تواريخ ووقائع؟
حكايات أيمن الحكيم عن بليغ
وقد كان لي شرف لقاء الأستاذ أيمن الحكيم عبر الميكروفون، وكم استمتعت بحديثه وأدبه وهدوئه اللافت.
فمن يلتقي به قد لا يتوقع، للوهلة الأولى، أن وراء هذا الهدوء كل هذا الفيض من المعلومات والذكريات والحكايات الثرية؛ حكايات تتدفق في سلاسة، تحمل المعلومة والتفصيلة والموقف، ولا تخلو في الوقت نفسه من خفة ومتعة تجعل الإنصات إليه أشبه برحلة داخل زمن كامل.
لعل هذا ما جعل حديثه عن بليغ مختلفًا؛ فهو لا يتحدث عن ملحن كبير فحسب، بل عن إنسان سبق سنه بموهبته، وسبق عصره بحرصه الدائم على إحداث التطور في الموسيقى، حتى قيل عنه إنه صاحب التجديد الثاني في الموسيقى العربية بعد فنان الشعب سيد درويش.
يكفي أن نتذكر أن بليغ كان لا يزال في العشرينيات من عمره حين اقترب من عالم أم كلثوم، ومع ذلك لم تنظر إليه باعتباره شابًا يقف أمام تاريخ صنعه عمالقة بحجم رياض السنباطي ومحمد القصبجي وغيرهما، بل رأت فيه موهبة تستحق أن تقف إلى جوار تلك القامات.
بليغ الذي لم يرَ نفسه مكتملًا
لكن المفارقة الأجمل في شخصية بليغ، والتي توقف عندها الأستاذ أيمن الحكيم في حديثه، أن صاحب كل هذا الإرث لم يكن يتعامل مع نفسه باعتباره صاحب إنجاز استثنائي.
كان شديد التواضع أمام فنه، لا يكاد يرضى عن لحن صنعه، وكأن كل ما أبدعه لم يكن في نظره سوى خطوة نحو لحن أجمل لم يأتِ بعد.
ربما هنا يكمن جانب آخر من سر إبداع بليغ: موهبة أدركت الأجيال قيمتها، بينما ظل صاحبها، حتى مع كل ما حققه، يرى أن الأجمل لم يأتِ بعد.
بصمة تتجاوز أسماء الأغنيات
لعل من أكثر الشواهد على اتساع عالم بليغ أنك قد تسمع لحنًا للمرة الأولى، يأخذك من نغماته الأولى، ثم تكتشف بعد ذلك أن بليغ يقف وراءه.
وكأن بصمته كانت أوسع من أن تُختصر في الأغنيات التي ارتبط اسمه بها على نحو مباشر.
يكفي، على سبيل المثال لا الحصر، أن نتذكر استعراض "الدور الدور" في مسرحية "ريا وسكينة"، و"عاشقة وغلبانة" لصباح، و"بهية" لمحمد العزبي، و«عدوية» لمحمد رشدي، و"حبيبي يا متغرب" لفايزة أحمد، و'ردوا السلام" لعفاف راضي، التي تحدثت عن إيمانه بموهبتها وتشجيعه لها في وقت لم تجد فيه التشجيع نفسه من كثيرين، وصولًا إلى "مولاي" للشيخ سيد النقشبندي و"كله ماشي" لمحرم فؤاد.
وغيرها كثير من الإبداعات التي يصعب أن تحصيها ذاكرة، وربما لا تكفيها كتب.
سر بليغ مع الأصوات
وكان لبليغ سر آخر مع الأصوات.
فقد يحدث ألا تجتمع الآراء حول مطرب أو مطربة، ثم يأتي لحن لبليغ، فتجد نفسك تتوقف أمام الصوت من جديد.
كأنه كان يعرف كيف يلتقط من كل صوت منطقة لا يراها الآخرون، فيكتب له ما يكشف جماله، وربما يجعلك تستمع إلى المطرب من أجل اللحن نفسه، ثم تكتشف في أثناء ذلك شيئًا في صوته لم تكن قد انتبهت إليه من قبل.
من أجمل ما رواه الأستاذ أيمن الحكيم خلال لقائنا الإذاعي حديثه عن محمد رشدي وبليغ؛ إذ قال إن عيني رشدي كانتا تدمعان كلما جاء ذكر بليغ، في مشهد يكشف، ربما أكثر من كثير من الكلمات، أن ما جمع بليغ بمن غنوا من ألحانه لم يكن مجرد علاقة بين ملحن ومطرب، بل روابط إنسانية تركت أثرًا ظل حاضرًا حتى بعد الغياب.
بليغ ومصر
والمعروف عن بليغ أنه كان وطنيًا حتى النخاع؛ فقد كتب لمصر بعضًا من أخلد ألحانه، من «عدّى النهار» للعندليب عبد الحليم حافظ، مرورًا بـ"يا حبيبتي يا مصر" و"أم الصابرين" لشادية، وصولًا إلى رائعته «بوابة الحلواني».
لم تكن مصر عند بليغ مجرد موضوع لأغنية، بل كانت حاضرة في وجدانه وفنه، وفي كثير مما تركه وراءه.
مذكرات بخط يده
ولعل من أكثر ما يثير الفضول فيما كشف عنه أيمن الحكيم ظهور مذكرات بخط يد بليغ نفسه؛ أوراق تفتح نافذة أخرى على رجل نعرف الكثير من ألحانه، ولا نعرف عنه حتى الآن كل شيء.
فتجربته بما تحمله من ثراء وتجديد تظل جديرة بالدراسة، وربما برسائل أكاديمية كاملة، سواء في الماجستير أو الدكتوراه، تتناول موسيقاه وملامح تجربته الفنية.
وربما مهما كُتب عن بليغ، ستبقى هناك مساحة لم تُكتشف بعد؛ لأن بعض المبدعين أكبر من أن تستوعبهم سيرة واحدة، أو تختصرهم حكايات مهما كثرت.
لكن شيئًا واحدًا يبدو مؤكدًا: أن الموسيقى سكنت بليغ منذ نعومة أظفاره، وكأن الطفل الذي كان يُسأل في سنواته الأولى ماذا يريد أن يكون حين يكبر، كان يجيب ببساطة:
"عاوز أبقى مزيكاتي".
كان يعرف طريقه قبل أن يعرف العالم اسمه.
ثم كبر الطفل...
وصار بليغ حمدي.
