مصر والهند..رحلة علاقات تمتد من عبد الناصر إلى السيسي

mahmoud abdelfatah
0

بقلم د. سامح المشالي

هناك لحظات في التاريخ لا تنتهي بانتهاء زمنها، وإنما تظل حاضرة كلما أعادت الأحداث نفسها، ولو بصورة مختلفة. وهناك مدن تصبح أكثر من مجرد أماكن على خريطة العالم، لأنها ترتبط بمحطات فارقة في مسيرة الدول وعلاقاتها. وتأتي نيودلهي في مقدمة هذه المدن في تاريخ السياسة الخارجية المصرية. في أبريل عام 1955، وصل الرئيس جمال عبد الناصر إلى نيودلهي، والتقى رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، في وقت كانت فيه مصر والهند ودول آسيوية وأفريقية أخرى تبحث عن طريق مستقل في عالم تحكمه أجواء الحرب الباردة. ولم تكن زيارة عبد الناصر للهند مجرد زيارة بروتوكولية، وإنما كانت تعبيرًا عن توجه مصري مبكر نحو بناء علاقات أوسع مع دول آسيا وأفريقيا، تقوم على الاستقلال والتعاون واحترام القرار الوطني.

وكانت نيودلهي في ذلك الوقت أكثر من محطة دبلوماسية في رحلة عبد الناصر؛ فقد كانت جزءًا من تحرك أوسع نحو آسيا، وهو التحرك الذي قاده بعد ذلك إلى مؤتمر باندونج في إندونيسيا. وهناك التقى عبد الناصر برئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك تشو إن لاي، إلى جانب عدد من قادة الدول الآسيوية والأفريقية. وكان ذلك اللقاء واحدًا من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات المصرية الصينية، إذ جمع بين دولتين تتبنيان في تلك المرحلة مواقف متقاربة تجاه عدد من القضايا الكبرى، وفي مقدمتها مقاومة الاستعمار، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، والدفاع عن استقلال القرار الوطني. ولم يكن هذا التقارب مجرد تفاهم سياسي عابر، بل سرعان ما بدأ يأخذ طريقه إلى التعاون العملي.

لذلك بعد أشهر قليلة من مؤتمر باندونج، وقعت مصر والصين اتفاقًا تجاريًا، في خطوة كشفت مبكرًا عن رغبة البلدين في تحويل التفاالسياسيمصالح مشتركة. ثم جاءت الخطوة الأهم في 30 ماإقامة بإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين مصر وجمهوريةالشعبية،ية، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين القاهرة وبكين؛ صفحة لم تتوقف عند حدود التقارب السياسي، وإنما تطورت تدريجيًا لتشمل التجارة والاقتصاد والثقافة وغيرها من مجالات التعاون، وصولًا إلى الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين اليوم.

وبعد سبعين عامًا، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالعلاقات التي بدأت في خمسينيات القرن الماضي، في مرحلة كان فيها العامل السياسي هو المحرك الأساسي للتقارب بين الدول، أصبحت اليوم شراكة واسعة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والتجارة. وهذه النقلة في طبيعة العلاقات المصرية الصينية ربما تكون من أهم ملامح تطورها؛ فالصداقة التاريخية أصبحت لها ترجمة عملية ومصالح متبادلة على الأأكتسبت هذا العام 2026، اكتسبت هذه ااحتفال 2026، وفيضافية مع احتفال مصر والصين بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في الأول والثاني من سبتمبر. ولم تكن الزيارة مجرد مناسبة للاحتفال بذكرى تاريخية، وإنما جاءت لتؤكد أن العلاقات المصرية الصينية دخلت مرحلة أكثر اتساعًا، تقوم على رؤية طويلة المدى للشراكة والتعاون.

ثم تعود نيودلهي إلى المشهد من جديد. بعد أكثر من سبعين عامًا، توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الهندية للمشاركة في قمة بريكس، في مشهد يعيد إلى الأذهان زيارة عبد الناصر إلى المدينة نفسها في خمسينيات القرن الماضي. لكن الفارق بين المشهدين يكشف عن تطور مهم في طبيعة التحديات التي تواجهفير.

ففي زمن عبد الناصر، كان السؤال الأساسي هو: كيف تستطيع مصر أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وسط صراع القوى الكبرى؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر اتساعًا: كيف تستطيع مصر أن تعزز استقلال قرارها الاقتصادي، وأشركائها،ركاءها، وتجذب الاستثمارات، وتوطن التكنولوجيا، وتفتح أسواقًا جديدة؟

وهنا تأتي أهمية بريكس بالنسبة إلى مصر. فالمشاركة المصرية في هذا التجمع لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية سياسية فقط، وإنما من زاوية اقتصادية وتنموية أيضًا. فوجود مصر إلى جانب قوى اقتصادية كبرى مثل الصين والهند وروسيا يفتح أمامها مساحة أوسع للتعاون مع دول الجنوب، ويمنحها فرصة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها. عبد الناصر جاء إلى نيودلهي في الخمسينيات بحثًا عن مساحة سياسية أوسع لمصر في عالم منقسم بين قوى كبرى. واليوم يأتي السيسي إلى نيودلهي في عالم مختلف، تبحث فيه مصر عن مساحة اقتصادية أوسع، وعن شراكات وأسواق واستثمارات، وعن نظام دولي أكثر توازنًا. ما كان يعني لمصر في خمسينيات القرن الماضي استقلال القرار السياسي، أصبح يعني اليوم توسيع هامش القرار الاقتصادي؛ وبين المرحلتين ظلت الصين واحدة من أهم دوائر الحركة المصرية في آسيا.

وهذه، في تقديري، هي النقطة الأهم في قراءة المشهد. فالصين ليست مجرد دولة عضو في بريكس، وليظهرًاشريكًا ظهر على الساحة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وإنما هي شريك يعود تاريخ العلاقات الرسمية معه إلى سبعين عامًا، وتعود جذور التقارب معه إلى اللحظة التي كانت مصر تعيد فيها صياغة موقعها في العالم.

ومن هنا، فإن قراءة زيارة الرئيس السيسي إلى نيودلهي بمعزل عن مسيرة العلاقات المصرية الصينية تجعلنا نفقد جزءًا مهمًا من الصورة. فنيودلهي كانت محطة مبكرة في الانفتاح المصري على آسيا، وباندونج كانت محطة مهمة في التقارب المباشر مع الصين، ثم جاءت العلاقات الدبلوماسية عام 1956 لتبدأ مسيرة طويلة انتهت إلى الشراكة الاستراتيجية التي نراها اليوم.

لكن السنوات السبعين الماضية لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للاحتفال بالتاريخ. فالسؤال الأهم هو: كيف يمكن أن نحول سبعين عامًا من الثقة والتفاهم بين مصر والصين إلى سبعين عامًا جديدة من الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع والتجارة؟

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى تعظيم العائد الاقتصادي والتكنولوجي من هذه العلاقة، وربط الشراكة المصرية الصينية بصورة أكبر باحتياجات الاقتصاد المصري، وبقدرة مصر على جذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام منتجاتها.

وهنا يعود درس عبد الناصر مرة أخرى. فقد أدرك مبكرًا أن قوة مصر لا تأتي من اتجاه واحد، وأن بناء علاقات قوية مع آسيا وأفريقيا إلى جانب علاقاتها الدولية الأخرى يمنح القاهرة مساحة أوسع للحركة والاستقلال. واليوم تغيرت الأدوات، لكن الفكرة الأساسية ما زالت حاضرة: تنويع الشراكات، وتوسيع الخيارات، وعدم الارتهان لاتجاه واحد.

من نيودلهي عبد الناصر إلى نيودلهي السيسي، ومن باندونج وتشـو إن لاي إلى الشراكة المصرية الصينية الحالية، تبدو المسافة الزمنية طويلة، لكن الخيط الذي يربط هذه المحطات واضح. لقد بدأت مصر طريقها نحو آسيا في مرحلة كان العالم فيها يتشكل من جديد، وكانت الصين واحدة من أهم الدول التي التقت معها القاهرة في تلك اللحظة التاريخية، واليوم أصبحت هذه العلاقة رصيدًا استراتيجيًا يمكن البناء عليه.

ولعل التحدي الحقيقي أمام مصر في المرحلة المقبلة هو ألا تكتفي بأن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، وإنما أن تستفيد من موقعها الجغرافي، ومن عضويتها في تجمعات مثل بريكس، ومن علاقاتها التاريخية مع القوى الآسيوية الكبرى، لتصبح شريكًا أكثر فاعلية في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية.

وفي النهاية، تغيرت أسماء القادة، وتغيرت طبيعة العالم، وتغيرت أدوات القوة، لكن بقيت حقيقة واحدة: قوة مصر لا تكمن في اتجاه واحد، وإنما في قدرتها على بناء جسور متعددة، والحفاظ على استقلال قرارها، وتحويل علاقاتها الدولية من رصيد تاريخي إلى مكاسب حقيقية لشعبها.

كاتب المقال:

مدرس بكلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر

دكتوراه في تاريخ العالم - جامعة شرق الصين للمعلمين، ومتخصص في العلاقات المصرية الصينية

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !