الجمال لم يرفع الراية البيضاء... يمضي الزمن... وتبقى القيمة! علي الحجار... نموذجٌ للجمال والثبات في زمن الضجيج

mahmoud abdelfatah
0

بقلم د. رادا الجوهري

كتبتُ منذ أيام عن زمنٍ اختلطت فيه المعايير، حتى كدنا ننسى كيف يكون الجميل؛ لا لأن الجمال اختفى، ولكن لأن الضجيج صار أعلى صوتًا، ولأن الرديء حين يتكرر أمام أعيننا طويلًا قد ينجح في إقناع البعض بأنه الطبيعي.

لكنني، بعد أن كتبت، فكرت في الوجه الآخر للصورة... فليس كل من عاش وسط الضجيج أصبح جزءًا منه، وليس كل من واجه الأمواج العاتية قرر أن يسايرها. هناك من ظل واقفًا في مكانه، لا عنادًا، ولا عجزًا عن التغيير، وإنما لأنه يعرف جيدًا أن بعض الأشياء تتطور، بينما أشياء أخرى لا يجوز أن تتبدل: القيمة، والمبدأ، واحترام الفن، واحترام عقل المتلقي.

ومن هنا تذكرتُ علي الحجار.

وطالما واظبتُ على حضور حفلاته، وإن قصّرت في الفترة الأخيرة لظروف خارجة عن إرادتي. لكن الغياب عن مقعد في حفل لا يعني أبدًا تراجع الإيمان بقيمته، أو الاعتزاز بالمكانة التي يحتلها في قلوب محبيه ومرتادي حفلاته؛ فالثوابت لا تتغير، والمبدأ لا يتجزأ... وعلي الحجار بالنسبة إليَّ أحد هذه الثوابت. 

لن أضيف جديدًا إلى ما قيل عن صوته؛ فالرجل الذي أطلق عليه مغني الأوبرا العالمي بلاسيدو دومينجو لقب «صاحب الحنجرة الذهبية» لا يحتاج مني إلى شهادة أخرى. ولن أحاول تقييم تجربته الفنية، لأن بعض التجارب تجاوزت منذ زمن مرحلة التقييم، وأصبحت جزءًا من ذاكرة الفن المصري.

فمن غنّى لكبار الشعراء، وفي مقدمتهم عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وصلاح جاهين، ولحّن أغانيه جهابذة التلحين، من بليغ حمدي إلى عمار الشريعي إلى عمر خيرت وياسر عبد الرحمن وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم من العمالقة، لا يحتاج إلى شهادة جديدة؛ فقد نال بالفعل وسام الاستحقاق الأرفع الذي لا تمنحه الجوائز.

لكن ما يعنيني هنا ليس تاريخ علي الحجار الفني الغني عن التعريف بقدر ما يعنيني موقفه من الفن؛ فالاختبار الحقيقي للمبدأ لا يأتي حين تكون الظروف مواتية له، بل حين يصبح التخلي عنه أسهل وأكثر ربحًا. كان يستطيع، مثل غيره، أن ينظر إلى الساحة، ويرى ما تحققه بعض الأغنيات السطحية من ملايين المشاهدات، فيقرر أن «السوق عايز كده». كان يستطيع أن يقدِّم بعض التنازلات الفنية، أو يطارد «الترند»، أو يبحث عن الجملة التي تعيش خمسة عشر يومًا على مواقع التواصل وتموت في اليوم السادس عشر! لكنه لم يفعل.

لم يسمح علي الحجار للترند أن يقوده، ولم يصبح أسيرًا له، بل ظل يعرف أن الوصول إلى الناس شيء، وملاحقة أذواقهم المتقلِّبة شيء آخر؛ وأن التجديد لا يعني أن يخلع الفنان جلده كلما تغيّر المزاج العام. وهنا تكمن، في رأيي، قيمة تجربته.

أن يكون لديك حلم أمر جميل، لكن الأجمل أن تصل إليه دون أن تفقد نفسك في هذا الطريق الطويل الذي يتطلب جهدًا مضنيًا حتى تبلغ ذلك الرضا عن نفسك، وتقدِّم الفن الذي يليق بك ، وأن تتطور دون أن تتنكر لما تؤمن به، وأن تنفتح على زمنك دون أن تسمح له بأن يملي عليك شروطه.

ولعل مشروعه «100 سنة غنا» واحد من أوضح الأمثلة على ذلك؛ مشروع يعيد تقديم كنوز من تراثنا الموسيقي بتوزيعات معاصرة، مع الحفاظ على روح اللحن الأصلي، في محاولة لمد جسر بين ذاكرة موسيقية شديدة الثراء وأجيال جديدة ربما لم تتح لها فرصة الاقتراب منها في صورتها القديمة. فالمشروع، في جوهره، يجسّد فكرة أن التجديد لا يعني أن نهدم ما سبق، بل أن نعرف قيمة ما نملكه أولًا، ثم ونقدمه بروح العصر دون أن نفقد شيئًا من سحره.

ولعل أصعب ما يواجهه الفنان أن يرتدي ثوب العصر دون أن يفقد هويته، وهذا بالفعل ما يفعله المطرب المبدع علي الحجار. وتلك، في حد ذاتها، معادلة شديدة الصعوبة: بل إن هذه الروح تمتد إلى إفساح المجال أمام أصوات ومواهب شابة، وهي سمة يعلمها جيدًا من عرفوا علي الحجار واقتربوا منه على مدى سنوات؛ فهو حين يرى موهبة تستحق الفرصة، لا يخشى أن يمنحها المساحة التي تليق بها. وقد تحدث هو نفسه عن حرصه على دعوة المواهب الشابة في الغناء والعزف والشعر إلى حفلاته، لتجد مكانها وسط زخم الأسماء الكبرى.

وهنا ربما تكون هناك رسالة أخرى إلى بعض الشباب الذين أصبح هاجس الشهرة لديهم يسبق مسألة الموهبة. ليس مطلوبًا من كل من يريد أن يعرفه الناس أن يصبح مطربًا، ولا من كل من امتلك هاتفًا وحسابًا على مواقع التواصل أن يقف أمام الجمهور ويقرر أن صوته يستحق جمهورًا بالملايين. فالظهور قد تمنحه لك الصدفة، أما البقاء فلا تمنحه إلا الموهبة.

وهنا أتذكر شيئًا آخر لا يقل إدهاشًا بالنسبة إليَّ: قدرته على الوقوف أمام الجمهور والصوت وحده يكاد يكون أوركسترا كاملة. استمعوا إليه وهو يغني «هنا القاهرة» بلا موسيقى؛ كلمات سيد حجاب ولحن عمار الشريعي، فإذا بالآلات تغيب، ويبقى ذلك الصوت الذي تَشنَف له الآذان، ويُطرب الصغير قبل الكبير.

وحسب معلوماتي المتواضعة، لا تحضرني تجارب مصرية كثيرة استطاعت أن تفعل ذلك بهذا الحضور؛ ولقد تبادر إلى ذهني محمد فوزي وتجربته الشهيرة في «كلمني طمني». لكن المقارنة هنا ليست مسابقة بين الأصوات، وإنما دهشة أمام فنان يستطيع أن يُطلِق العنان لصوته وحده في مواجهة المستمع، فلا نشعر لحظةً أن شيئًا ينقصه.

وكان لي شرف إجراء أكثر من حوار مع علي الحجار. والحقيقة أنني كنت أستعد لهذه الحوارات استعدادًا كاملًا؛ لأنك حين تجلس أمام تجربة بهذا الثراء، لا تجري حوارًا مع مطرب جاء ليتحدث عن أغنية جديدة، وإنما تفتح صفحات من تاريخ طويل، لكل مرحلة فيه حكايتها وبصمتها. ويضاف إلى ذلك ثقافته التي تجعل للحوار معه متعة خاصة، فضلًا عن خفة ظل قد تفاجئ من يراه من بعيد شديد الجدية؛ فما إن يستدعي الموقف ابتسامة أو دعابة، حتى تكتشف جانبًا آخر من شخصيته لا يعرفه بالضرورة إلا من اقترب منه.

وقد يتساءل أحدهم: ولماذا أكتب عن علي الحجار الآن؟

لأننا نحتاج، وسط كل ما يحدث حولنا، إلى أن نتذكر أن القدوة ليست خطبة، وأن المبدأ ليس جملة أنيقة نكتبها ثم نفعل عكسها. القدوة أحيانًا فنان يرى الطريق الأقصر إلى الشهرة، ثم يختار الطريق الذي يشبهه. ويرى الملايين التي قد يصنعها «الترند»، فلا يبيع من أجلها تاريخه. ويرى الساحة تمتلئ أحيانًا بألوان غنائية سريعة الانتشار، ثم لا تلبث أن يطويها النسيان، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد ؛ بل يمتد إلى كلمات لا تقول شيئًا، وجملة لحنية واحدة تتكرر حتى تفقد معناها، فلا يقول: ما دام هذا هو السائد، فلماذا لا أساير الموجة؟! بل يظل واقفًا، لا لأن الزمن توقف عنده، وإنما لأنه عرف كيف يواكب الزمن دون أن يتنازل عما يؤمن به.

وربما لهذا جاء الحديث عن علي الحجار في وقته؛ لأن الحديث عن اختلال المعايير لا يكتمل دون الحديث عمّن ظلوا استثناءً منها. عن أولئك الذين مرّوا بالمحن والتحديات، ودفعوا ثمنًا من أجل الثبات على مبدأ لم تزعزعه المتغيرات، وظلوا قادرين، رغم كل شيء، على التجدد دون أن يدفعوا ثمن هذا التجدد من رصيدهم الفني.

وهؤلاء تحديدًا يستحقون أن نتوقف أمامهم؛ لا لنصفق لهم فحسب، بل لنتذكر بوجودهم أن الموجة، مهما ارتفعت، لا تجبر كل السفن على تغيير اتجاهها، وأن الإنسان قد يعيش عمرًا كاملًا وسط المتغيرات، ويبقى لديه شيء واحد لا يخضع للمساومة: الخط الذي رسمه لنفسه منذ البداية، والقائم على احترام ما يقدِّمه والاحتفاظ بمكانة جمهوره، ولم يسمح للزمن أن يمحو ملامحه أو للنجاح أن يغيّر اتجاهه.

غنّى لنا علي الحجار «مبسوطين»، ولعل جمهوره يرد عليه اليوم — وأنا بالطبع واحدة منهم— : وإحنا مبسوطين بوجودك، وبأنك ما زلت تحافظ على مكانة الفن الأصيل وسط كل هذا الضجيج، وتذكّرنا بأن الموجات قد تعلو ثم تنحسر، وأن الأذواق قد تتبدل، وأن «الترند» قد يأتي ويرحل، أما الأصيل... فهو ما يبقى.

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !