بقلم د. رادا الجوهري
بعد أن أضحت المشاعر الإنسانية تعاني من الاغتراب في أوطانها، وأصبح الحب، وهو من صميم الفطرة الإنسانية، غريبًا في زمنٍ يتباهى بانفتاحه وتحرّره، يطلّ علينا قيس بن الملوّح من أعماق التاريخ، لا بوصفه عاشقًا أضاع عقله، بل إنسانًا امتلك من صدق العاطفة وشجاعة البوح ما جعله يتجاوز قيود عصره، ويتمرد على أعرافٍ اجتماعية حوّلت الحب، وهو من أنبل المشاعر الإنسانية وأكثرها صدقًا، إلى خروجٍ على المألوف.
ويا لها من مفارقةٍ تستحق التأمل! أن يصبح الحب، الذي لا يحتاج إلى تبرير، تهمةً تستوجب الدفاع، وأن يُوصم بالجنون رجلٌ لم يقترف ذنبًا سوى أنه أحب بصدق، بينما يظلّ أولئك الذين صادروا حقه في الحب، واغتالوا حلمه باسم العقل والعرف، بمنأى عن المساءلة! فأيّ الفريقين كان أحقّ بتهمة الجنون: عاشقٌ لم يخن قلبه، أم مجتمعٌ استكثر عليه أن يحب؟
وأتخيل قيسًا لو عاد إلى زماننا، وقد ارتدى حلّةً عصرية، وتقدم إلى أهل ليلى يحمل قلبه بين يديه، لا كشفًا بحساباته المصرفية ولا قائمةً بممتلكاته. تُرى، هل كانوا سيسألونه عن صدق محبته، أم عن رصيده البنكي؟ وهل كان سيُمنح فرصةً ليقول شعرًا في محبوبته، أم كانوا سيقاطعونه ليسألوه عن راتبه الشهري وموقعه الاجتماعي؟
ولعل قيسًا، لو أدرك قواعد اللعبة الجديدة، لعلم أن الحب وحده لا يكفي لاجتياز بعض اختبارات الزواج المعاصرة، وأن القلب، مهما اتسع للوفاء، لا يُقبل دائمًا ضمانًا للمستقبل! وإذا كان قيس قد فقد ليلى، فإن أخشى ما أخشاه أن نكون نحن قد فقدنا ما هو أثمن منها: القدرة على الحب ذاته.
لقد ورثنا عن قيس حكايةً سمّيناها جنونًا، ولكننا ربما أورثنا الأجيال القادمة عالمًا يتقن حساب المكاسب والخسائر، ويعجز عن إدراك قيمة قلبٍ صادق. وربما لم يكن قيس بحاجةٍ إلى من يردّ إليه عقله، بقدر ما كنا نحن بحاجةٍ إلى من يوقظ فينا إنسانيتنا التي أضاعتْها حسابات العقل، وأرهقتها شروط الحياة!
وفي شهر ذكرى رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي، أجدني أتوقف طويلًا أمام رائعته المسرحية «مجنون ليلى"، لا لأستعيد حكاية عشقٍ تناقلتها الأجيال فحسب، وإنما لأعيد فتح قضيةٍ ظن التاريخ أنه أغلق ملفها منذ قرون: قضية قيس بن الملوّح، المتهم الأول والأخير بجريمة الحب!
ولعل أغرب ما في حكاية قيس أن التاريخ قد احتفظ له بلقب «المجنون»، بينما لم يحاكم بالصرامة نفسها ذلك المجتمع الذي حال بين قلبين جمعهما الحب وفرّقتهما الأعراف. فهل كان قيس فاقدًا للعقل، أم أن العقل نفسه قد أُسيء استخدامه حين تحوّل من وسيلة للفهم إلى أداة لقمع المشاعر؟ وهل كان جنونه علةً في ذاته، أم نتيجةً لمأساةٍ صنعها الآخرون، ثم تركوه وحده يتحمل تبعاتها؟ بل أخشى أن قيسًا لو عاش بيننا، لاضطر إلى تأجيل قصائده حتى يستكمل أوراقه المالية، وربما نصحه بعضهم بأن يستبدل بأبيات الغزل كشفًا بنكيًا أكثر إقناعًا، فالشعر، مهما بلغ من العذوبة، لا يكفي في نظر هؤلاء ليكون صاحبه جديرًا بالاقتران بمن يحب!
ولا يعني ذلك أنني أدعو إلى تغليب العاطفة على المسؤولية، أو أن الحب وحده كفيلٌ بإقامة حياة زوجية مستقرة؛ فالاستقرار المادي ضرورة لا يمكن إغفالها، وتحمل أعباء الحياة مسؤولية لا غنى عنها، والتخطيط للمستقبل مظهرٌ من مظاهر النضج والوعي. غير أن ثمة فارقًا جوهريًا بين أن يكون المال وسيلةً لبناء حياة كريمة، وأن يتحول إلى مقياسٍ تُحدَّد على أساسه قيمة الإنسان، وبين أن يكون العقل رفيقًا للقلب يهديه دون أن يُلغيه، وأن يتحول إلى سلطةٍ تُخضع المشاعر لحسابات الربح والخسارة، حتى يغدو الحب آخر ما يُنظر إليه في علاقةٍ يُفترض أنه أول ما يمنحها معناها.
غير أن القراءة المنصفة لمأساة قيس تقتضي ألا نجعل من المعاناة والحرمان معيارًا لصدق الحب وعظمته؛ فليس كل حبٍّ عظيم محكومًا عليه بالشقاء، ولا تزداد المشاعر نبلًا كلما اشتدّ الألم الذي يصاحبها. ولعل مأساة قيس الحقيقية لا تكمن في أنه أحب ليلى إلى هذا الحد، بل في أن حبًّا كان يمكن أن يجمع بين قلبين في حياةٍ سعيدة، انتهى إلى فراقٍ لم يكن لأيٍّ منهما يدٌ فيه.
وإذا كانت القرون قد مضت على حكاية قيس وليلى، فهل مضت معها تلك الأفكار التي فرّقت بينهما؟ أم أننا ما زلنا، في عصرٍ نتباهى فيه بما أحرزناه من تقدّم، نُخضع أحيانًا اختيارات القلب لحسابات المكانة الاجتماعية والمستوى المادي واعتباراتٍ لا صلة لها بصدق المشاعر أو قدرته على بناء حياةٍ مشتركة؟
ولعل هذا هو الجانب الأكثر إنسانيةً في مسرحية شوقي؛ فهي لا تدفعنا إلى التعاطف مع عاشقٍ محروم فحسب، بل تدعونا إلى تأمل سلطة الأعراف حين تتحول من وسائل لتنظيم الحياة إلى قيودٍ تكبلها، وإلى التساؤل عن الحدود التي ينبغي أن يقف عندها المجتمع قبل أن يصادر حق الإنسان في الاختيار.
وما أشبه الأمس باليوم حين تضيق بعض النفوس بالمشاعر النبيلة، وتصبح القسوة دليلًا زائفًا على القوة، والبرود العاطفي مظهرًا من مظاهر النضج!
ولعل مأساة قيس الكبرى لم تكن أنه أحب ليلى إلى هذا الحد، بل أنه عاش في عالمٍ لم يتسع لحبه، ثم ورثنا نحن الحكاية، واحتفظنا بلقب «المجنون»، دون أن نتوقف طويلًا أمام أولئك الذين أسهموا في صنع الجنون الذي نسبوه إليه.
وفي ذكرى رحيل أمير الشعراء أحمد شوقي، تعود إلينا حكاية قيس وليلى، وكأن القرون التي تفصلنا عنهما لم تكن كافيةً لإسدال الستار على مأساتهما. فما أكثر ما تغيّر في عالمنا، وما أقلّ ما تغيّر في بعض أحكامنا على الحب! لا تزال القلوب أحيانًا تصطدم بحواجز لم تُقمها، وتدفع ثمن قراراتٍ لم تتخذها، وتكتشف أن صدق المشاعر لا يكفي دائمًا ليجمع بين اثنين اختار كلٌّ منهما الآخر. وهكذا يبقى السؤال معلّقًا بين زمن قيس وزمننا: أكان الجنون حقًّا في قلب عاشقٍ أحب بإخلاص، أم في مجتمعٍ رأى أن التمسّك بأعرافه أولى من سعادة قلبين؟
ولعل من أروع ما صاغه أمير الشعراء على لسان قيس قوله:
«سجا الليل حتى هاج لي الشعر والهوى»
ثم يفيض وجدانه قائلًا:
«ملأت سماء البيد عشقًا وأرضها»
ما أبلغ هذه الصورة! فالعاشق الذي حُرم من أن يملأ حياته بحضور محبوبته، ملأ الكون كله بحبها. وكأن شوقي أراد أن يقول إن الحب الذي لا يجد سبيله إلى الحياة التي يتمناها العاشقان، يجد في الخيال والشعر عالمًا تتسع فيه الأحلام وتظل فيه المحبوبة حاضرةً بكل ما تعذّر على العاشق أن يعيشه معها في الواقع.
ثم تتجسد المفارقة المؤلمة في قوله:
«وباتت خيامي خطوةً من خيامها»
فما أقسى أن تكون المسافة بين الحبيبين خطوةً واحدة، بينما تحول بينهما مسافاتٌ شاسعة من الأعراف والقيود! وما أشد المفارقة بين قرب المكان واستحالة اللقاء، حتى يصبح الجوار نفسه ضربًا من الحرمان.
ولم يكن قيس وحده أسير هذا الوجد؛ فليلى، التي كثيرًا ما اختبأت مشاعرها خلف صمتها، تفصح في مسرحية شوقي عن إنسانيتها حين تقول:
«ما فؤادي حديدٌ ولا حجر»
ولا تتجلى عبقرية أمير الشعراء أحمد شوقي في استحضار حكاية قيس وليلى من ذاكرة التراث العربي فحسب، بل في قدرته على أن يبعث فيها حياةً جديدة، وأن يحوّل مأساة العاشقين إلى تجربةٍ شعريةٍ ودراميةٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان. فقد استطاع، بما امتلكه من ناصية اللغة ورهافة الحس وعمق الرؤية الإنسانية، أن يترجم أصدق مشاعر النفس العاشقة وأعمق أحاسيسها ، وأن يصوّر التجربة العاطفية بكل ما تنطوي عليه من شوقٍ وأملٍ وحرمان في صورٍ شعريةٍ لا تكتفي بوصف الحب، بل تجعل القارئ شريكًا في معايشته. وتبلغ هذه البراعة أوجها في القصيدة التي تغنّى بها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، حيث تتآلف جزالة التعبير مع عذوبة الإيقاع، وتتدفق العاطفة في نسيجٍ شعريٍّ بالغ الرقة، حتى ليخيّل إلينا أن الكلمات قد اكتسبت إيقاعها الخاص بها قبل أن تحتضنها الموسيقى.
ومن أبلغ ما يصوّر به شوقي حال العاشق قوله:
كَمْ جِئْتُ لَيْلَى بِأَسْبَابٍ مُلَفَّقَةٍ
مَا كَانَ أَكْثَرَ أَسْبَابِي وَعَلَّاتِي!
وما أبدع شوقي حين جعل من بيتٍ واحدٍ عالمًا كاملًا من الشوق والحنين! فها هو قيس يتذرّع بالأسباب، ويختلق من الحجج ما يتيح له أن يكون قريبًا من ليلى، وكأن رؤيتها وحدها تكفي لتمنح أيامه معنى، ولو لم يظفر منها بكلمة. وفي قوله «ما كان أكثر أسبابي وعلّاتي» نلمح ابتسامةً حزينةً تختبئ وراء الاعتراف؛ فهو يدرك أن أعذاره واهية، ويعرف أنها لا تخفى على من يسمعها، لكنه لا يملك أن يكفّ عن اختلاقها. وما أرقّ تلك المفارقة بين كثرة الأسباب ووحدة الغاية! فكل الطرق التي يسلكها، وكل الأعذار التي ينسجها، لا تنتهي إلا إلى ليلى.
وما أرقّ هذا التصوير وأقربه إلى القلب! فقيس لا يتباهى بحبّه، ولا يبالغ في وصف معاناته، بل يستعيد تلك اللحظات البسيطة التي تظلّ في ذاكرة المحبّ أعزّ ما عاش وأجمل ما يتذكّر. وهنا تتجلّى روعة شوقي في قدرته على أن يجعل من التفاصيل الصغيرة عالمًا من الشوق والحنين، ومن الأعذار التي يختلقها قيس رغبةً صادقةً في رؤية ليلى، ولو للحظات؛ فالقلب الذي يحبّ لا يحتاج إلى ألف سبب للقاء، بل إلى فرصةٍ واحدة تجمعه بمن يحبّ.
وسلامٌ على أمير الشعراء أحمد شوقي الذي رحل جسدًا وبقي إبداعه شاهدًا على عبقريةٍ لا يطويها الزمن، ولا يخبو بريقها بتعاقب الأجيال.
ولعلّ هذا المقال ليس إلا تأمّلًا في الحب في أسمى تجلّياته، في زمنٍ تتراجع فيه المشاعر النبيلة أمام جدلٍ لا ينتهي وخصوماتٍ لا تستحقّ كل هذا العناء. وما أعجب أن تمضي السنون، فتُنسى معارك شغلت الناس طويلًا، بينما تظلّ كلمات الحب الصادقة حيّةً في القلوب.
ويبقى شوقي حاضرًا في وجداننا، لا لأن شعره خَلَّد حكايات العاشقين فحسب، بل لأنه أودع كلماته من صدق العاطفة ونبل الإحساس ما يجعلها نابضةً بالحياة في كل زمان.
