الفن سمك لبن تمر هندي... والموهبة خارج الحسابات!

mahmoud abdelfatah
0

 بقلم: الإعلامية الدكتورة رادا الجوهري

نجوم يستحقون الفرصة... وآخرون صنعتهم المشاهدات!

مع اقتراب الموسم الدرامي الرمضاني لعام 2027، وبين الأخبار المتلاحقة عن المسلسلات الجديدة، وأسماء النجوم، والتعاقدات التي لا تنتهي، وجدت نفسي أمام مشهد فني يثير الدهشة، بل والاستغراب أحيانًا!

لم أكتب هذا المقال من فراغ، ولم تكن كلماتي وليدة انطباع عابر، وإنما بدأت الحكاية عندما استوقفني أحد المنشورات التي تستعرض الخريطة الدرامية المرتقبة لرمضان 2027، بأسماء الأعمال والفنانين المشاركين فيها. ورحت أتأمل تلك الخريطة بدهشة تتزايد كلما انتقلت من اسم إلى آخر؛ أعمال بالجملة، بل فنانون يشاركون في عملين، وربما ثلاثة، ووجوه تتكرر بصورة لافتة، وأسماء اقتحمت عالم التمثيل دون أن نعرف لها تاريخًا فنيًا أو موهبة تبرر هذا الحضور، بينما تغيب أسماء أخرى تمتلك من الموهبة والخبرة والدراسة ما يؤهلها لتصدر المشهد، وأخرى قفزت من شاشة الهاتف المحمول إلى البلاتوه، وكأن عدد المتابعين أصبح شهادة معتمدة في فن الأداء! وفي خضم هذا الزحام، وجدتني أبحث عن أسماء أخرى تمتلك من الموهبة والخبرة والدراسة ما يؤهلها لتصدر المشهد، لكنها لا تحظى بالمساحة التي تستحقها!

ولا أدري إن كنا بصدد موسم درامي، أم سباق مفتوح عنوانه: من يملك أكبر عدد من المتابعين يحصل على الدور!

ولست ضد الوجوه الجديدة، ولا ضد البلوجرز أو صناع المحتوى، فالموهبة لا تحتكرها مهنة، ولا يشترط أن يحمل الفنان شهادة أكاديمية حتى يكون موهوبًا. ولكنني ضد أن تتحول الشهرة إلى بديل عن الموهبة، وأن تصبح المشاهدات معيارًا للاختيار، بينما يقف فنانون حقيقيون درسوا وتعبوا واجتهدوا وصقلوا أدواتهم، ينتظرون فرصة تكشف عن قدراتهم.

ومن يريد الشهرة، فمجالاتها كثيرة، وأبوابها مفتوحة على مصراعيها، وليس من الضروري أن يصبح ممثلًا لمجرد أنه حقق ملايين المشاهدات! فالتمثيل ليس مهنة من لا مهنة له، ولا مجرد وقوف أمام الكاميرا، وإنما فن له أدواته، وثقافته، وإحساسه، ومسؤوليته تجاه الجمهور.

والمفارقة أن بعض المواهب الحقيقية لا ينقصها اعتراف الجمهور بقدراتها، وإنما تنقصها الفرص التي تتيح لها تقديم المزيد مما تختزنه من طاقات إبداعية. وأتوقف اليوم أمام فنانين من جيلين وتجربتين مختلفتين؛ الفنانة القديرة فاطمة الكاشف، صاحبة التاريخ الفني والخبرة الأكاديمية، نجمة رسّخت حضورها على مدار سنوات، لكنها تستحق أدوارًا ومساحات فنية تتناسب مع نضج تجربتها وثراء موهبتها. والفنان الجميل مدحت تيخا الذي أثبت قدرته على تجاوز حدود الكوميديا إلى أدوار درامية أكثر عمقًا، ومع ذلك لم يحصل إلى الآن على ما يستحثه من فرص. وهما نموذجان لمواهب كثيرة تستحق أن تحظى باختيارات فنية أكثر جرأة وتنوعًا.

وما يجمع بينهما ليس الموهبة وحدها، وإنما ذلك الجانب الإنساني الذي أعتز به كثيرًا؛ أخلاق الفنان الذي يحترم جمهوره، ويحرص على التواصل معه، ويُقدّر محبته، ويدرك أن مكانته في القلوب ليست حقًا مكتسبًا، بل مسؤولية تزداد كلما اتسعت دائرة محبيه. ومن يعرفني يعلم جيدًا أنني لا أجامل أحدًا، ولا أوزع شهادات الإشادة مجانًا، وإنما أكتب ما أؤمن به، وما رأيته بعيني، وما لمسته من موهبة حقيقية تستحق أن نتوقف أمامها.

وهنا السؤال الذي فرض نفسه عليّ: هل أصبحت الشهرة جواز المرور إلى عالم التمثيل، بينما تقف الموهبة الحقيقية في طابور الانتظار؟

وإذا كان الجمهور هو صاحب الكلمة الأخيرة في نجاح أي عمل، فلماذا يبدو أحيانًا أنه آخر من يُحسب له حساب عند اختيار أبطاله؟

من يختار نجوم الدراما... الموهبة أم أرقام المتابعين؟!

وأبدأ بالفنانة القديرة فاطمة الكاشف، التي تمثل في نظري حالة فنية وإنسانية تستحق التقدير؛ فقد جمعت بين الموهبة الأصيلة والثقافة الأكاديمية والأخلاق الرفيعة، واستطاعت على مدار مشوارها الفني أن تترك بصمات مميزة في أدوار متنوعة، مؤكدة أن الموهبة لا تختصرها شخصية واحدة، ولا تُقاس بمساحة الدور. 

ولعل أول ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين عند ذكر اسمها شخصية «زوبة» في المسلسل الشهير «البخيل وأنا»، تلك الشخصية التي حفرت مكانها في ذاكرة الجمهور، وقدمتها باقتدار وسط قامات فنية بحجم ملك الترسو فريد شوقي والفنانة القديرة كريمة مختار. غير أن «زوبة»، على ما حققته من نجاح، لم تكن سوى محطة من محطات مشوار فني حافل بالتنوع، أثبتت خلاله فاطمة الكاشف أنها ممثلة تمتلك من المرونة والقدرة على التلون ما يؤهلها لتجسيد شخصيات متباينة، والانتقال بسلاسة بين الأدوار، لتترك في كل منها بصمة تحمل توقيع موهبتها الخاصة.

ولأن تاريخها الفني أكبر من أن تختزله بضعة سطور، فإن ما أتوقف عنده هنا ليس سوى نماذج قليلة من مشوار حافل بالأدوار والتجارب المتنوعة، بدءًا من شخصية «زوبة» التي عرفها الجمهور، مرورًا بأعمال مثل «عمر بن عبد العزيز» و«أهل الهوى» و«قصر العشاق»، وصولًا إلى «ليل أم البنات» و«الكابتن»، وغيرها من الأعمال التي أكدت قدرتها على التنقل بين شخصيات مختلفة، ومنح كل منها ملامحها الخاصة.

ولعل من أحدث الشواهد على هذه الموهبة ما قدمته في مسلسل «حرب الجبالي»، حين جسدت شخصية «الحاجة فاطمة» بصدق إنساني لافت، واستطاعت أن تنقل مشاعر الأمومة بكل ما تحمله من حنان وقلق ووجع مكتوم. وحرصًا منها على الاقتراب بالشخصية من الواقع، اختارت أن تظهر محجبة، دون مكياج، لتمنحها مزيدًا من البساطة والعفوية والمصداقية. 

وهنا تتجلى براعة الممثل التي لا تحتاج إلى مؤثرات خارجية لتصل إلى وجدان المشاهد في أدق التقاصيل؛ فالنظرة الصامتة قد تقول ما تعجز عنه الكلمات، وارتعاشة الصوت قد تختصر صفحات من الحوار. وقد بدا ذلك جليًا في مشاهدها المؤثرة، ولا سيما مشهد لقائها بابنتها بعد غياب، حيث استطاعت أن تنقل مشاعر الأمومة والألم والاشتياق بعفوية وصدق.

ولم تكتفِ فاطمة الكاشف بما حققته من حضور فني، بل اختارت أن تدعم موهبتها بالعلم والدراسة، فحصلت على درجة الماجستير بامتياز، وارتبط مشروعها في الدراسات العليا بمسرحية «يا فرحة ما تمت»، التي كانت تتولى إخراجها. وأرى في ذلك جانبًا يستحق الإشادة؛ فالفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم، ولا يعتقد أن سنوات الخبرة تغنيه عن البحث والتجريب وتطوير أدواته. وجاء حصولها على جائزة أفضل ممثلة في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان همسة للآداب والفنون ليضيف تقديرًا جديدًا إلى رصيدها الفني.

أما على المستوى الإنساني، فهي من الفنانات اللاتي يزداد تقديري لهن لما يتمتعن به من تواضع ورقي في التعامل واحترام للجمهور. وتلك قيمة لا تقل في نظري عن الموهبة، لأن الفنان لا يترك أثره بما يقدمه أمام الكاميرا وحدها، وإنما أيضًا بما يتحلى به من أخلاق رفيعة في حياته بعيدًا عن الأضواء.

وأتساءل: إذا كانت لدينا فنانة تجمع بين الموهبة والخبرة والدراسة الأكاديمية، وقادرة على أن تمنح أصغر الأدوار حضورًا لا يُنسى، فماذا يمكن أن تقدم لو أُتيحت لها بطولة تليق بكل هذه الإمكانات؟

إن فاطمة الكاشف واحدة من تلك الكنوز الفنية التي لا تحتاج إلى شهادة اكتشاف، بل إلى فرصة حقيقية تكشف للجمهور عن جوانب أخرى من موهبتها، فما رأيناه منها، على جماله، يجعلني على يقين بأن لديها الكثير الذي لم نره بعد.

مدحت تيخا... حين يرى الكبار ما لا يراه صناع الفرص!

وإذا كانت فاطمة الكاشف نموذجًا للفنانة التي صقلت موهبتها بالخبرة والدراسة، فإن الفنان مدحت تيخا يقدم نموذجًا آخر لممثل استطاع أن يثبت أن خفة الظل ليست حدود موهبته، وإنما أحد أوجهها. ويكفي أن نستعيد له شخصية «الشيخ سلام» في المسلسل الرائع «شيخ العرب همام»، أمام العملاق يحيى الفخراني، لندرك أننا أمام ممثل يمتلك أدوات تتجاوز كثيرًا الإطار الكوميدي الذي اعتاد البعض أن يحصره فيه .

وقد وصف تيخا مشاركته في هذا العمل بأنها محطة مهمة ونقلة نوعية في حياته الفنية، وتحدث عن حالة الصدق التي جمعته بالفنان يحيى الفخراني، وكيف تحول تجسيد علاقة الأخوة على الشاشة إلى علاقة إنسانية حقيقية بينهما.

وهنا تكمن براعة الممثل؛ أن يقنعك بأنه لا يؤدي شخصية، بل يعيشها. ولعل مشهد وفاة الشيخ سلام كان من أكثر المشاهد التي كشفت حجم الارتباط الوجداني بين الشخصية والجمهور. فقد أثار رحيله حالة من الحزن والتأثر، حتى إن بعض المشاهدين عبّروا عن افتقادهم للشخصية بقولهم: «إحنا مبقناش نتفرج على المسلسل من بعد وفاة الشيخ سلام".

بل إن بعض التعليقات ذهبت إلى وصفه بأنه «يحيى الفخراني القادم»، وهي مقارنة تعكس مقدار الإعجاب الذي أثاره أداؤه، وإن كنت أرى أن لكل فنان بصمته الخاصة التي ينبغي أن يحافظ عليها.

ولم تكن موهبة تيخا خافية على عين الفنان العظيم نور الشريف، الذي امتلك قدرة نادرة على اكتشاف المواهب.

ويروي تيخا أن نور الشريف شاهده وهو لا يزال طالبًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، فأُعجب بأدائه، والتفت إلى الدكتورة سميرة محسن قائلًا عبارته الطريفة: «الواد ده تبخريه!"

ولم يكتفِ بالإعجاب، بل منحه فرصة في مسلسل «حضرة المتهم أبي»، ونصحه بأن يعمل على تطوير أدواته، مؤكدًا له أنه ليس مجرد ممثل كوميدي خفيف الظل، وإنما ممثل يستطيع تقديم أدوار مختلفة.

وشهادة نور الشريف ليست شهادة عابرة، وإنما علامة جودة فنية، أو كما نقول «ماركة مسجلة»، لأنها صادرة عن فنان كان يعرف جيدًا كيف يقرأ الموهبة قبل أن تفرض نفسها على الجميع.

ثم جاء مسلسل «سيد الناس» ليقدم تيخا وجهًا دراميًا مختلفًا، ويؤكد قدرته على الانتقال من الكوميديا إلى الأداء التراجيدي، دون افتعال أو مبالغة. ولعله بذلك أعاد إلى الأذهان كلمات نور الشريف الذي تنبأ له بالقدرة على تجسيد مختلف الشخصيات التي يمكن أن يقدمها لو أُتيحت له فرص أكثر اختلافًا وتحديًا.

والجميل في مدحت تيخا، إلى جانب موهبته، ما لمسته من تقدير لجمهوره وحرص على التواصل معه، وهو ما يضيف إلى حضوره الفني جانبًا إنسانيًا يستحق الاحترام. وأقول لمدحت تيخا: لقد نجحت في أن تجعل الجمهور يضحك معك، ثم أثبتَّ أنك قادر على أن تبكيه أيضًا. وهذه قدرة لا يمتلكها كل ممثل، فحافظ عليها، ولا تسمح لقالب فني واحد أن يختصر ما لديك من إمكانات.

ولعل ما يؤسفني أن الدراما المصرية تمتلك رصيدًا هائلًا من المواهب والخبرات، ومع ذلك لا تستفيد دائمًا من هذا الثراء كما ينبغي. فكم من شخصية كان يمكن أن تترك أثرًا لا يُنسى لو أُسندت إلى الفنان المناسب، وكم من موهبة قادرة على أن تفاجئنا بأداء استثنائي، لو أُتيحت لها المساحة التي تستحقها! فالإبداع الحقيقي لا يكمن فقط في جودة النص، وإنما أيضًا في حسن اختيار من يمنح شخصياته الروح والحياة.

ولذلك، فإن دعوتي لصناع الدراما ليست مجرد المطالبة بمنح هؤلاء الفنانين أدوارًا أكبر، وإنما بمنحهم أدوارًا مختلفة، تحمل التحدي والمغامرة، وتتيح لهم أن يفاجئونا كما فاجأنا كثير من كبار الفنانين حين خرجوا من مناطقهم المألوفة.

ربما لا تحتاج الدراما المصرية إلى اكتشاف نجوم جدد بقدر ما تحتاج أحيانًا إلى إعادة اكتشاف نجومها الذين تعرفهم بالفعل!

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !