فاروق الجوهري .. رجل من زمن القيمة .. أبي علّمني الإعلام .. فمن علّم هؤلاء؟

mahmoud abdelfatah
0

بقلم د. رادا الجوهري

لا أعرف لماذا اخترت أن أكتب عن أبي الآن. فهو لم يغب عن بالي يومًا حتى أحتاج إلى مناسبة كي أتذكره، ولم يكن حضوره في حياتي ذكرى أستدعيها من حين إلى آخر. لكنني، كلما نظرت إلى ما آل إليه حال الإعلام، وخصوصًا الإعلام المرئي، من شخصنة وتراشق بالألفاظ، وغياب للحيادية أحيانًا، وخلط بين الرأي والخبر، وبين الإعلام والاستعراض، وجدتني أسأل نفسي سؤالًا واحدًا: أين ذهبت تلك المدرسة التي علّمتنا أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون ظهورًا؟

أبي هو الإعلامي الدكتور فاروق الجوهري، أستاذ الإعلام بجامعة أم درمان بالخرطوم، ومدير عام إذاعة وادي النيل سابقًا، والحاصل على وسام العلوم والآداب والفنون الذهبي. لكن هذه الألقاب كلها، على أهميتها، لا تقول لي من كان أبي. فكلما مضت السنوات، اكتشفت  أكثر حجم ما ورثته منه، وكم يسكن أبي في أشياء كثيرة أفعلها وأؤمن بها دون أن أنتبه إلى أن بدايتها كانت عنده وكم ترك أبي فيَّ من أثر؛ في قيمي ومبادئي، وفي اختياراتي، وحتى في تفاصيل صغيرة كنت أظنها تخصني وحدي، ثم أدركت أنه صاحب الفضل فيها.

بالنسبة إليّ، كان أبي الحب والسند والظهر، وكان أول مدرسة دخلتها في حياتي، قبل المدرسة والجامعة والإذاعة. ومن هذه المدرسة بقي فيَّ الكثير: طيبة القلب، وحب اللغة العربية، وشغف القانون والتدريس، وإنكار الذات، ومد يد العون إلى الآخرين. وبقي فيَّ منه أيضًا شيء ربما أصبح عملة نادرة في زماننا، وهي عزة النفس.

وربما لا يدرك تمامًا ما أقوله إلا من ذاق مرارة فقد الأب أو الأم؛ فهناك غياب لا تعوّضه الأيام، وفراغ لا يملؤه أحد، وأشياء نظن أن الزمن سيعلّمنا الاعتياد عليها، لكن كيف يعتاد الإنسان غياب من كان وجوده جزءًا من معنى الأمان نفسه؟ وتأتي الإجابة حاضرة في كل لحظة افتقاد؛ فرحيل الأب أو الأم ليس غياب شخص فحسب، بل غياب عالم كامل كان قائمًا بوجوده.

كان يخاف عليّ خوفًا لا أعرف إن كنت قد قابلت مثله بعد رحيله. وأتذكر، مما روته لي أمي وأقاربي فيما بعد، أنني عندما كنت طفلة عُرض عليّ الظهور في إعلان، فرفض أبي. والمفارقة أن الرجل الذي عاش عمره في الإعلام لم يكن متحمسًا لأن تظهر ابنته الصغيرة أمام الكاميرا. لم يكن رفضه تعنتًا، وإنما كان يخشى عليّ حتى من الحسد! كنت أصغر من أن أدرك وقتها معنى هذا الخوف، أما الآن فأفهمه جيدًا، وأسأل نفسي أحيانًا: أين أجد مثل هذا الحب؟

ولم يتغير الأمر كثيرًا عندما كبرت. فبعد تخرجي في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، لم يكن أبي متحمسًا أيضًا لاتجاهي إلى الإعلام. لكنني كنت شغوفة به، وربما بدأ هذا الشغف قبل أن أعرف أنني سأختاره طريقًا؛ فقد رأيت الإعلام أول ما رأيته في أبي، ورأيت نجاحه وتقدير الناس له، وكنت أسمع الإشادة به من الصغير قبل الكبير. ربما كنت، من حيث لا أدري، أبحث في الإعلام عن شيء من أبي.

وكان أبي رجلًا شديد الاعتزاز بكرامته. عندما عمل في السعودية، لم يكن يقبل أن يملي عليه أحد ما يخالف قناعته، ولم يكن يبهره منصب أو لقب. وإذا حاول شخص أن «يتمنظر» عليه لأنه رئيس أو صاحب منصب، كان أبي مستعدًا ببساطة لأن يعود إلى بلده. والمفارقة أنهم هم الذين كانوا يتحايلون عليه ليبقى؛ لأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى من يعلن عنها، وإنما تفرض احترامها بنفسها. كانوا يعرفون قدره، وكان كثيرون منهم يتعلمون منه.

وربما لهذا السبب تعلمت منه أن الكرامة ليست شعارًا نرفعه عندما تسير الأمور كما نشتهي؛ فالكرامة الحقيقية تظهر عندما يكون ثمنها غاليًا.

ومن أبي التقطت حب القانون، كما التقطت منه حب التدريس. وعندما قادتني رحلتي المهنية إلى تدريس الترجمة، ومنها الترجمة القانونية بين العربية والإنجليزية، وجدت أبي يعود إليّ من جديد، وكأن بعض الدروس لا نعرف قيمتها إلا بعد سنوات. كان حُجّة في اللغة العربية. وكنت أتشاور معه في أدق التعبيرات القانونية، فيختصر أحيانًا في كلمتين ما يمكن أن نختلف حوله  في صفحات. 

وحين أفكر اليوم في علاقتي باللغة العربية، وفي ولعي بالبحث عن الكلمة الدقيقة وعدم الاكتفاء بأول لفظ يؤدي المعنى أو مقابل جاهز يقدمه قاموس أو محرك بحث أتساءل: هل كان هذا اختياري فعلًا، أم أنه امتداد لشيء غرسه أبي فيَّ منذ الصغر؟

حتى التدريس الذي دخل حياتي بعد ذلك، أراه اليوم امتدادًا له بطريقة لم أنتبه إليها في البداية. لم يكن العلم عند أبي شيئًا يحتفظ به صاحبه لنفسه، ولم يكن نجاح الآخرين يهدده. كان يساعد، ويقدم، ويفتح الأبواب لمن يراه جديرًا بالفرصة. ولعل أجمل ما يؤكد ذلك شهادة الإذاعي إبراهيم خليل، الذي حكى أن فاروق الجوهري أخذه بنفسه إلى الإذاعي عبد العال هنيدي، وقدمه إليه قائلًا إنه «جاهز بنسبة 90 في المائة». ربما تبدو الواقعة صغيرة لِمَن يقرؤها، لكنها بالنسبة إليّ تقول الكثير عن أبي: رجل يعرف قيمة أن يأخذ بيد شاب في بداية الطريق، بدلًا من أن يغلق الطريق أمامه. 

وهنا أجدني أعود إلى الإعلام من جديد. لم يكن الإعلام بالنسبة إلى جيل أبي مجرد ظهور أمام الكاميرا أو صوت خلف الميكروفون، ولم تكن الشهرة في حد ذاتها دليلًا على القيمة. كانت هناك مهنة لها أصولها، وأستاذ يتعلم منه من يأتي بعده، ولغة ينبغي احترامها، وخبر يجب التحقق منه، ومسافة بين ما يعتقده الإعلامي شخصيًا وما يقدمه للناس.

ولهذا أتساءل أحيانًا ماذا كان أبي سيقول لو رأى إعلام اليوم، أو لو فتح هاتفه فوجد أن كل شخص يستطيع أن يصبح في لحظة مذيعًا ومحللًا وناقدًا وصاحب رأي في كل شيء، وأن عدد المشاهدات قد يتحول إلى معيار للقيمة، وأن الصوت الأعلى يستطيع أحيانًا أن يطغى على صوت من يعرف أكثر ويفهم أعمق. لا أعتقد أنه كان سيرفض التطور؛ فالتطور سنة الحياة، والإعلام نفسه تغير مرارًا وسيظل يتغير. لكنني أعرف أنه كان سيسأل عن المعيار: ماذا نقول؟ وكيف نقوله؟ وماذا نضيف إلى الناس؟ وهل نبحث عن الحقيقة أم عن «الترند»؟

 كتبت عنه اليوم لا لأقول إن زمن أبي كان كاملًا، ولا لأرثي زمنًا مضى، وإنما لأنني كلما حاولت أن أفهم بعض الأشياء التي أؤمن بها اليوم، أجد جذورها عنده. كلما دافعت عن لغتي وجدته، وكلما تمسكت بكرامتي وجدته، وكلما دخلت قاعة لأدرّس وجدت شيئًا منه أو بمعنى أصدق وجدت أثره حاضرًا فيَّ، وكلما جلست أمام ميكروفون تذكرت أن هذا الشيء الصغير الذي نتحدث أمامه ليس مجرد أداة تنقل الصوت؛ وراءه مسؤولية.

كنت أظن أن الميراث هو ما يتركه الآباء لأبنائهم بعد الرحيل. لكنني اكتشفت متأخرة أن بعض الآباء يتركون ميراثهم في أبنائهم وهم أحياء،  دون وصية، ودون أن ينتبه الأبناء إلى أنهم يحملونه.

ولهذا، كلما كبرت، اكتشفت أن ما ورثته عن فاروق الجوهري أكبر بكثير مما كنت أظن.

وأن أبي، وإن رحل عن عالمي، ترك فيَّ أشياء لا ترحل، مهما طال الزمن!

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !