بقلم د. رادا الجوهري
حين يعتذر فنان بحجم علي الحجار عن مهرجان الموسيقى العربية للمرة الأولى منذ انطلاقه، ثم يعلن محمد ثروت اعتذاره هو الآخر، فالمسألة لم تعد مجرد تعديل في جدول حفلات، ولا خلاف عابر يمكن أن يمر في بضعة أسطر من بيان صحفي. نحن أمام سؤال أكبر بكثير: ماذا يحدث في مهرجان يفترض أنه أحد حصون الموسيقى العربية في مصر؟ وهل أصبح علينا، نحن الجمهور، أن نستغيث دفاعًا عن الفن الذي جئنا إلى دار الأوبرا من أجله؟
وللمفارقة، فإننا لا نتحدث عن حدث فني وليد الأمس. فالجذور التاريخية لمؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة تعود إلى عام 1932، حين احتضنت مصر واحدًا من أهم الأحداث الموسيقية العربية والدولية في ذلك الزمن. ومن هذا الإرث الممتد اكتسب مهرجان الموسيقى العربية قيمته ومكانته؛ فلم يكن يومًا مجرد مجموعة حفلات تُباع لها التذاكر، بل كان جزءًا من دور مصر الثقافي، ومن صورتها بوصفها حاضنة للفن العربي وصانعة لنجومه.
ولهذا يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آن واحد: كيف نصل، بعد كل هذا التاريخ، إلى دورة يغيب عنها علي الحجار ومحمد ثروت بسبب أزمة كان يمكن – وكان يجب – أن تُدار بصورة تليق بهما وبدار الأوبرا؟
وعندما أقول علي الحجار، فأنا لا أتحدث عن مطرب يبحث اليوم عمن يمنحه شهادة تقدير أو اعترافًا بقيمته. نحن نتحدث عن مسيرة بدأت جماهيريًا منذ السبعينيات، وعن صوت حمل عشرات الأعمال التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المصريين؛ غنّى للوطن، وللإنسان، وللحب، وغنّى لفلسطين والقدس، وظل في اختياراته الفنية منحازًا إلى الكلمة واللحن والقيمة. وحتى اليوم يقود مشروع «100 سنة غنا» الذي انطلق من دار الأوبرا نفسها لإعادة تقديم تراث الموسيقى والغناء المصري للأجيال الجديدة، وقد رفعت حفلاته لافتة «كامل العدد".
فكيف يصبح الفنان الذي يشارك في إثراء ذاكرة الغناء المصري موضع خلاف حول ميزانية فرقته؟
ثم يأتي محمد ثروت؛ الفنان الذي جمع بين دراسته وعمله في الهندسة وبين عشق لم يستطع أن يتخلى عنه للفن، وصاحب مسيرة طويلة ارتبط فيها اسمه بالغناء الراقي والوطني والعاطفي، وظل واحدًا من الأصوات التي حافظت على احترامها أمام جمهورها. وحين يعلن فنان بهذه المسيرة أنه لن يقبل ما اعتبره إهانة للفن المصري والفنانين المصريين، فإن الرسالة لا ينبغي أن تُقابل بالتجاهل، بل بالتوقف والمراجعة.
لقد تعلمت من أبي وأمي أن للكبار حقًا في الاحترام، وأن التاريخ لا يبدأ يوم نتولى نحن المسؤولية، ولا تمحوه القرارات الإدارية. وعلي الحجار ومحمد ثروت لا ينتظران اليوم شهادة من أحد؛ فالجمهور منح كليهما شهادته منذ عقود. وهو الجمهور نفسه الذي ينبغي أن يكون حاضرًا في هذه المعادلة.
فالجمهور لا يبخل على الفن الذي يحبه؛ يدفع ثمن تذكرة قد تكون مرتفعة، ويتحمل مشقة الحصول عليها، ويأتي إلى الأوبرا لأنه يريد أن يسمع صوتًا حقيقيًا، وكلمة لها معنى، ولحنًا يحمل قيمة. فهو لا يقيس الفن بثمن التذكرة، لأن ما يبحث عنه أبقى من ذلك بكثير؛ لحظةٌ تمسّ وجدانه، وأغنيةٌ يصحبها معه بعد أن تُطفأ أضواء المسرح، وذكرى فنية تظل حاضرةً بعد أن ينفضّ الحفل.
وأنا واحدة من هذا الجمهور، وشاهدة على سنوات كانت فيها حفلات مهرجان الموسيقى العربية بالنسبة إلينا موعدًا ننتظره بشغف. كنا نذهب إلى شباك التذاكر، نرى الأماكن المتاحة ونختار مقاعدنا ونحجز. أما اليوم، ومع انتقال الحجز إلى النظام الإلكتروني، فأصبح الحصول على تذكرة لمعظم الحفلات أشبه بسباق؛ يفتح الحجزحتى تختفي المقاعد التي نبحث عنها
في دقائق قليلة.
ولست هنا في خصومة مع التكنولوجيا؛ فالقضية ليست ورقية أم إلكترونية، وإنما هل جعل التطوير تجربة الجمهور أفضل فعلًا؟ هذا هو السؤال. لأن التكنولوجيا حين تكون تطويرًا حقيقيًا ينبغي أن تمنح الجمهور مزيدًا من السهولة والوضوح والعدالة، لا أن تتركه حائرًا أمام شاشة تخبره بأن ما كان ينتظره لم يعد متاحًا.
ثم جاءت الحفلات في المساحات المفتوحة، التي تستوعب بطبيعتها أعدادًا أكبر، بينما ارتبطت في ذاكرتنا حفلات كثيرة للمهرجان بسحر المسرح الكبير والصغير وخصوصية الجلوس داخل دار الأوبرا. ومن حق الإدارة بالطبع أن تبحث عن زيادة عدد الحضور، لكن من حق الجمهور أيضًا أن يسأل:
أين ينتهي الحرص على إرضاء الجمهور، وأين يبدأ التفكير بمنطق الإيرادات؟
والسؤال يصبح أكثر إلحاحًا حين يشعر الجمهور بأن تكلفة تجربته ترتفع من كل اتجاه؛ تذكرة، وانتظار، ورسوم إضافية، وحتى ركن السيارة الذي عرفناه يومًا بلا مقابل، ثم أصبح بعشرين جنيهًا، ثم وصل إلى خمسين. قد تبدو كل واحدة من هذه التفاصيل صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها حين تجتمع تصنع انطباعًا لا يمكن تجاهله.
وهنا تحديدًا أفهم غضب المايسترو هاني فرحات، الرئيس السابق للمهرجان، من الحديث العلني عن ضعف الإمكانات المالية؛ فقد أكد، مستندًا إلى تجربته في رئاسة الدورة الثانية والثلاثين، أن المهرجان استطاع جذب الرعاة والتسويق لنفسه، وأن نجومًا عربًا شاركوا حبًا في مصر وفي قيمة مهرجانها. وقال بوضوح إن مهرجان الموسيقى العربية أكبر من أي شخص وأي دورة.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج.
مصر ليست دولة تبحث عن تاريخ فني؛ مصر تملك هذا التاريخ.
إليها جاء الفنانون العرب، وعلى مسارحها وقفوا، وعبر أثير الإذاعة المصرية وشاشات التليفزيون المصري، ومن خلال السينما والحفلات انطلقت أسماء كثيرة إلى جمهور عربي أوسع. ولذلك فإن أي حديث يصدر من مسؤول عن مهرجان يحمل اسم مصر يجب أن يزن كلماته جيدًا؛ لأن ما يقال لا يمس ميزانية دورة واحدة فحسب، وإنما يمس صورة مؤسسة ثقافية مصرية عريقة، بل وينعكس على الإساءة للسمعة التي تتمتع بها.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن دار الأوبرا نفسها تحتضن مشروع «100 سنة غنا» مع علي الحجار؛ المشروع الذي يقوم في جوهره على إنقاذ ذاكرة الموسيقى المصرية وإعادة تقديم كنوزها إلى الأجيال الجديدة. فكيف نفرح من ناحية بمشروع يعيد إلينا أصداء زمن الفن الجميل، ثم ندخل من ناحية أخرى في أزمة مع واحد من أهم الأصوات التي تحمل هذا المشروع؟
لا تحاربوا ما بقي لنا من فنٍّ يليق بتاريخنا وذاكرتنا، ولا فنانًا كان على مدى سنوات واحدًا من أبرز وجوه هذا المهرجان، ولا تُغفلوا جمهورًا ينتظر هذه الأصوات عامًا بعد عام على أحرِّ من الجمر.
والأكثر حساسية أن هذه الدورة تحمل اسم الراحل هاني شاكر أمير الغناء العربي؛ وكان الأجدر أن تكون دورة تجمع ولا تفرق، وتحتفي بتاريخ الغناء العربي وأصحابه، وتصبح تكريمًا حقيقيًا لاسمه وأسرته ومحبيه، لا أن تبدأ بجدلٍ انتهى إلى غياب أصوات كبيرة كان يُنتظر أن تكون في مقدمة هذا الاحتفاء.
لقد أسعدنا مهرجان الموسيقى العربية سنوات طويلة، ونريده أن يبقى. وأسعدنا مشروع «100 سنة غنا» لأنه أعاد أمامنا صفحات من تراث نخشى أن تضيع وسط صخب ما يسمى اليوم بالـ«ترند». ولهذا تحديدًا يأتي غضبنا؛ فنحن لا نهاجم المهرجان، بل نخشى عليه.
نخشى أن يتحول من بيت يحمي الموسيقى العربية إلى مجرد موسم حفلات!
ولهذا لا أسأل اليوم: لماذا اعتذر علي الحجار؟ ولماذا اعتذر محمد ثروت؟
بل أوجه السؤال إلى من يملكون القرار:
إذا كان كبار الفنانين ينسحبون، والجمهور يستغيث، والتاريخ نفسه يذكّركم بما كانت تمثله مصر للفن العربي... فإلى أين تريدون أن تأخذوا مهرجان الموسيقى العربية؟ وإلى أي شيء تريدون أن تحوّلوا دار الأوبرا: بيتًا للفن... أم شباكًا للحسابات؟
