دكتور محمد سافوح
المعلومة الدقيقة تصنع قرارا أفضل والقرار الأفضل يصنع نتيجة أفضل
لقد تغيرت طبيعة المعارك لكن قواعد النجاح لم تتغير كثيرا
في كل عام نستعيد من ذاكرة أكتوبر مشاهد العبور والانتصار ونستحضر بطولات رجال القوات المسلحة المصرية الذين صنعوا ملحمة وطنية ستظل حاضرة في وجدان الأجيال لكن خلف المشهد العسكري المضيء كانت هناك منظومة أخرى لا تقل أهمية صنعت الفارق: منظومة التخطيط وصناعة القرار وإدارة الموارد وتوزيع المسؤوليات والانضباط في التنفيذ.
وبلغة الإدارة الحديثة يمكن القول إن حرب أكتوبر قدمت نموذجا عمليا متكاملا لمبادئ أصبحت اليوم تعرف بمفاهيم الحوكمة المؤسسية وإدارة المخاطر والاستدامة وصناعة القرار الرشيد.
لم تكن الحوكمة في أكتوبر مصطلحا مكتوبا في لوائح أو شعارات ترفعها المؤسسات وإنما كانت ممارسة حقيقية فرضتها طبيعة المعركة فحين تكون الدولة أمام تحد مصيري لا تحتمل قراراته العشوائية يصبح وضوح الهدف ودقة التخطيط وكفاءة التنفيذ عناصر حاسمة في صناعة النتيجة.
كانت البداية من وضوح الرؤية فالقرار الاستراتيجي لا يولد من لحظة انفعال وإنما من قراءة دقيقة للواقع وتحديد للأهداف وبناء للقدرات لذلك لم يكن العبور وليد لحظة وإنما نتيجة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة والتخطيط والإعداد ودراسة الإمكانات والقيود والمخاطر.
وهذه واحدة من أهم قواعد الحوكمة: لا إدارة ناجحة بلا رؤية واضحة ولا قرار رشيد بلا معلومات ولا نتيجة مستدامة بلا تخطيط.
والدرس الثاني يتمثل في إدارة المخاطر فالقيادة الرشيدة لا تعني أن المخاطر غير موجودة وإنما تعني القدرة على فهمها والاستعداد لها وتقليل آثارها من خلال التعامل مع واقع بالغ التعقيد و دراسة الإمكانات والبدائل وتحديد الأولويات والاستعداد للاحتمالات المختلفة.
وهذا المفهوم يمثل اليوم أحد الأعمدة الرئيسية للحوكمة الحديثة فالمؤسسة القوية ليست التي لا تواجه الأزمات وإنما التي تمتلك القدرة على توقعها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى خسائر.
ثم يأتي وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار فالمؤسسات التي تتداخل فيها الاختصاصات وتغيب عنها حدود المسؤولية تصبح أكثر عرضة للتعثر مهما امتلكت من موارد أما عندما يعرف كل طرف دوره ومسؤوليته وتتكامل الأدوار في اتجاه هدف واحد فإن القرار يصبح أكثر فاعلية والتنفيذ أكثر انضباطا.
وهذا ما تؤكده الحوكمة اليوم من خلال الفصل الواضح بين الاختصاصات وتعزيز المساءلة وربط السلطة بالمسؤولية.
ولعل أحد أهم دروس أكتوبر أيضا هو إدارة الموارد بكفاءة فالقوة لا تقاس دائما بحجم ما نملكه وإنما بقدرتنا على الاستخدام الأمثل لما نملك وفي إدارة المعارك المصيرية تصبح الموارد البشرية والمادية واللوجستية محدودة مهما كان حجمها ولذلك يكون حسن التخصيص ودقة الأولويات جزءا من صناعة النصر.
وهو الدرس ذاته الذي تحتاجه الشركات والمؤسسات في معارك التنمية فالمؤسسة الناجحة ليست بالضرورة التي تمتلك أكبر الموارد وإنما التي تحقق أعلى قيمة ممكنة من مواردها من خلال التخطيط والرقابة ورفع الكفاءة وتقليل الهدر.
أما المعلومات فكانت ولا تزال أحد أهم عناصر القوة فالقرار الذي لا يستند إلى معلومات دقيقة يصبح أقرب إلى التخمين ومن هنا تتضح أهمية جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى معرفة تساعد متخذ القرار على اختيار البديل المناسب.
وفي عالم اليوم تحولت هذه الفكرة إلى منظومة متكاملة تعتمد على البيانات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية لكن المبدأ لم يتغير: المعلومة الدقيقة تصنع قرارا أفضل والقرار الأفضل يصنع نتيجة أفضل.
ويأتي بعد ذلك عنصر بالغ الأهمية هو الانضباط في التنفيذ فكثير من المؤسسات تمتلك استراتيجيات ممتازة على الورق لكنها تفشل عند التنفيذ والفرق بين الخطة والإنجاز هو القدرة على تحويل الرؤية إلى إجراءات محددة ومسؤوليات واضحة ومتابعة مستمرة.
وهنا تكمن قيمة التجربة المصرية في أكتوبر فقد اجتمعت الرؤية مع التخطيط والتنفيذ والانضباط والتوقيت.
فـالتوقيت في حد ذاته أحد عناصر صناعة القرار قد يكون القرار صحيحا لكن اتخاذه في التوقيت الخطأ يحوله إلى قرار غير فعال لذلك فإن الإدارة الرشيدة لا تبحث فقط عن القرار الصحيح وإنما عن القرار الصحيح في الوقت الصحيح.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة أكتوبر باعتباره نموذجا مبكرا لفكرة أصبحت اليوم جوهر الحوكمة أن القرار مسؤولية وأن السلطة يجب أن تقترن بالمحاسبة وأن الموارد يجب أن تقترن بالأهداف وأن النتائج يجب أن تخضع للتقييم.
والحوكمة بهذا المعنى ليست مجرد إجراءات بيروقراطية أو لجانا شكلية أو تقارير دورية. الحوكمة الحقيقية هي ثقافة عمل تقوم على الشفافية والانضباط ووضوح المسؤوليات وكفاءة استخدام الموارد وإدارة المخاطر وربط القرار بالنتيجة.
ولذلك فإن استدعاء دروس أكتوبر اليوم يجب ألا يتوقف عند الاحتفال بذكرى النصر وإنما ينبغي أن يتحول إلى منهج في الإدارة وبناء المؤسسات.
فنحن أمام معارك جديدة تختلف طبيعتها عن معركة أكتوبر لكنها تحتاج إلى الروح ذاتها: معركة التنمية والإنتاج والاستثمار وتعظيم الموارد وتحقيق الاستدامة ورفع كفاءة المؤسسات.
في الصناعة نحتاج إلى إدارة رشيدة للموارد وتقليل الفاقد ورفع الإنتاجية وفي الشركات نحتاج إلى مجالس إدارات فعالة ورقابة ومساءلة وقرارات تستند إلى البيانات وفي المؤسسات الرياضية نحتاج إلى حوكمة مالية وإدارية تمنع الهدر وتربط الإنفاق بالأهداف والاستثمار بالاستدامة وفي الدولة نحتاج إلى مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على إدارة الأزمات وتحويل الخطط إلى نتائج.
لقد تغيرت طبيعة المعارك لكن قواعد النجاح لم تتغير كثيرا.
وضوح الهدف كان ضروريا لتحقيق العبور وما زال ضروريا لتحقيق التنمية والتخطيط الذي كان شرطا للانتصار يظل شرطا للاستدامة والانضباط الذي حسم لحظة فارقة في التاريخ هو نفسه الذي تحتاجه مؤسساتنا اليوم وحسن إدارة الموارد الذي كان جزءا من معادلة النصر أصبح اليوم ضرورة اقتصادية.
ومن هنا فإن أحد أعمق دروس أكتوبر هو أن الإرادة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى منظومة عمل وأن الإمكانات لا تصنع النجاح إذا لم يحسن توظيفها وأن الخطط لا تحقق أهدافها إذا غاب عنها التنفيذ والمساءلة.
لقد كان أكتوبر انتصارا عسكريا وسياسيا ووطنيا عظيما لكن قراءته من زاوية الإدارة تكشف لنا درسا أكثر اتساعا: أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من قدرات وإنما بقدرتها على تنظيم هذه القدرات وتوجيهها نحو هدف واضح وتحويل الموارد إلى نتائج.
وربما تكون هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تنتقل من جيل أكتوبر إلى جيل التنمية:
إذا كان العبور قد احتاج إلى رؤية وتخطيط وانضباط وإدارة دقيقة للموارد فإن عبور تحديات المستقبل يحتاج إلى الأدوات نفسها ولكن بعقلية الحوكمة والاستدامة والتحول الرقمي.
فأكتوبر لم يكن مجرد يوم عبرت فيه القوات المسلحة قناة السويس بل كان يوما أثبتت فيه الدولة المصرية أن الرؤية عندما تتحول إلى تخطيط والتخطيط إلى انضباط والانضباط إلى تنفيذ يمكن أن تغير موازين التاريخ.
وهذه ليست فقط قصة نصر من الماضي… بل منهج إدارة للمستقبللى
دكتور محمد سافوح
باحث في الشأن السياسى الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
