القلب عبر العصور..حوار افتراضي بين الدكتور جمال شعبان والعالم الطبيب ابن النفيس

mahmoud abdelfatah
0

كتبت نهي عبدالخالق

في جلسة علمية افتراضية تجمع بين عبق التاريخ وإمكانات الطب الحديث، يلتقي الدكتور جمال شعبان، طبيب أمراض القلب المعاصر، بالعالم الطبيب علاء الدين ابن النفيس، أحد أبرز علماء الطب في الحضارة الإسلامية وصاحب الإسهام التاريخي في وصف الدورة الدموية الرئوية.

ثمانية قرون تفصل بين الرجلين، لكن سؤالًا واحدًا يجمعهما: كيف فهم الإنسان القلب عبر العصور؟

د. جمال شعبان:
أستاذنا ابن النفيس، لطالما أدهشني أنك استطعت أن تخالف آراء طبية راسخة في عصرك، وأن ترفض فكرة مرور الدم مباشرة من البطين الأيمن إلى البطين الأيسر عبر الحاجز الفاصل بينهما. كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج في زمن لم تكن فيه أدوات التشخيص والتصوير التي نملكها اليوم؟

ابن النفيس:
العلم يبدأ بالسؤال، ثم بالملاحظة والتفكير. عندما تأملت تركيب القلب، لم أجد في الحاجز بين البطينين منفذًا يسمح بمرور الدم، ولذلك رأيت أن الدم لا بد أن يسلك طريقًا آخر عبر الرئتين قبل وصوله إلى الجانب الأيسر من القلب.

لقد شرحت ذلك في كتابي «شرح تشريح القانون»، موضحًا أن الدم ينتقل من الجانب الأيمن إلى الرئتين، ثم يعود إلى الجانب الأيسر عبر الأوعية الرئوية. وقد أصبح هذا الوصف أحد أهم الإسهامات التاريخية في فهم الدورة الدموية الرئوية.

د. جمال شعبان:
وما يزيد إعجابي بإسهامك أنك لم تتوقف عند الدورة الرئوية، بل أشرت أيضًا إلى أن تغذية عضلة القلب تتم عبر أوعية تمر في نسيج القلب، وهو ما يرتبط بما نعرفه اليوم بالدورة التاجية.

ابن النفيس:
الملاحظة الدقيقة هي مفتاح المعرفة. القلب عضو يعمل بلا توقف، ومن الطبيعي أن يحتاج هو نفسه إلى التغذية. وقد أشرت إلى أن تغذيته تأتي من الدم الذي يمر عبر الأوعية التي تخترق نسيج القلب.

د. جمال شعبان:
اليوم نسمي هذه الأوعية بالشرايين التاجية، ونعرف أن انسدادها قد يؤدي إلى الذبحة الصدرية أو احتشاء عضلة القلب. ولدينا وسائل لم تكن متاحة في عصرك، مثل تخطيط القلب والموجات الصوتية والدوبلر والقسطرة القلبية والتصوير بالرنين المغناطيسي.

ابن النفيس:
عجيب! لقد كنّا نعتمد على الملاحظة والفحص والتشريح وما توفر لنا من وسائل في ذلك العصر، أما أنتم فقد أصبح بإمكانكم رؤية القلب والأوعية ودراسة وظائفها بصورة لم يكن من الممكن تصورها.

د. جمال شعبان:
التطور لم يتوقف عند رؤية القلب، بل امتد إلى فهم الخلية والأنسجة ووظائف الأعضاء. أصبحنا ندرس الأمراض من مستويات دقيقة للغاية، ونعرف كيف تؤثر التغيرات داخل الخلايا والأنسجة في أداء أعضاء الجسم.

ابن النفيس:
وهذا يؤكد أن العلم لا يعرف نهاية. كل إجابة تفتح بابًا لسؤال جديد، وكل اكتشاف يصبح أساسًا لاكتشاف يأتي بعده.

د. جمال شعبان:
وهذا بالضبط ما تعلمناه منكم. أنتم لم تكتفوا بترديد ما سبقكم، بل ناقشتم الآراء السائدة وراجعتموها بالمنطق والملاحظة.

لقد كان رفضك لفكرة وجود مسام في الحاجز بين البطينين خطوة مهمة في تاريخ فهم الدورة الدموية الرئوية، وقد جاء وصفك قبل قرون من التطورات الأوروبية اللاحقة في هذا المجال.

ابن النفيس:
العلم لا ينبغي أن يكون تابعًا للأسماء، بل للبرهان. فإذا أثبتت الملاحظة أن فكرة ما غير صحيحة، وجب على العالم أن يعيد النظر فيها.

د. جمال شعبان:
وماذا كنت ستقول لطلاب الطب في عصرنا؟

ابن النفيس:
أقول لهم: لا تجعلوا الأجهزة تغنيكم عن التفكير، ولا تجعلوا المعرفة تغنيكم عن الرحمة. الطبيب يحتاج إلى العلم، لكنه يحتاج أيضًا إلى إنسانية تجعله يرى المريض إنسانًا قبل أن يراه حالة مرضية.

د. جمال شعبان:
هذه رسالة ما زلنا نحتاج إليها حتى اليوم. فالتكنولوجيا تستطيع أن تكشف المرض، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح المريض الطمأنينة.

ابن النفيس:
إذن لم يتغير جوهر الطب كثيرًا. تغيرت الأدوات، واتسعت المعرفة، وتطورت وسائل التشخيص والعلاج، لكن بقي الإنسان هو محور كل ذلك.

د. جمال شعبان:
وأظن أن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من رحلتك العلمية هو أن المعرفة لا تتوقف عند زمن أو حضارة. ما كتبه طبيب قبل قرون يمكن أن يصبح يومًا ما حلقة في سلسلة طويلة من الاكتشافات.

ابن النفيس:
وهكذا يستمر العلم. جيل يكتشف، وجيل يراجع، وجيل يضيف، حتى تتراكم المعرفة الإنسانية.

د. جمال شعبان:
قبل أن ينتهي هذا اللقاء الافتراضي، ماذا تقول للأطباء الشباب؟

ابن النفيس:
أقول لهم: تعلموا كثيرًا، اسألوا أكثر، لا تخافوا من مراجعة الأفكار، واجعلوا غايتكم تخفيف ألم الإنسان وخدمته. فالعلم الذي لا ينفع الناس يظل علمًا ناقصًا.

د. جمال شعبان:
كلمات تبقى تاجًا على رؤوس كل من اختار مهنة الطب.

يصمت العالمان لحظات، بينما تتلاشى صورة المختبر الحديث ويعود المشهد إلى صفحات المخطوطات القديمة.

ثمانية قرون تختفي بين لحظة وأخرى، لكن يبقى القلب حاضرًا في المشهد؛ عضوًا ينبض داخل الجسد، وعنوانًا دائمًا للبحث والاكتشاف والرحمة.

العلم لا يتوقف عند زمن، والطب لا يكتمل إلا بالإنسانية.

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !